علي بن مهدي الطبري المامطيري
271
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
الجنّة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها ، وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده حتّى يعلم إلى أيّ المنزلتين يصير ، إلى الجنّة أو « 1 » إلى النار ، أعدوّ للّه سبحانه أو وليّ له ، فإن كان وليّا للّه سبحانه فتحت له أبواب الجنّة ، فنظر إلى ما أعدّ اللّه له فيها ، فاشتغل بها ، وكلّ ذلك يكون عند الموت . اعلموا عباد اللّه أنّ الموت ليس منه « 2 » فوت ، فاحذروه قبل وقوعه ، وأعدّوا له عدّته ؛ فإنّكم طرداء الموت ، إن قمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم بكم من ظلّكم ، الموت معقود بنواصيكم . وأكثروا ذكر الموت عندما راعتكم « 3 » أماني الدنيا أنفسكم ؛ فإنّه كفى بالموت واعظا ؛ فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه يقول : كثروا ذكر هادم اللّذات ، يعني : الموت . اعلموا عباد اللّه أنّ ما بعد الموت لمن لم يغفر اللّه له برحمة « 4 » أشدّ من الموت : عذاب القبر ، فاحذروا ضيقه وظلمته وغربته ، إنّ القبر يتكلّم كلّ يوم يقول : أنا بيت الوحدة ، أنا بيت الغربة ، أنا بيت الدود ، أنا بيت التراب ، وإنّما « 5 » القبر روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران . وإنّما العبد المسلم إذا دفن قالت له الأرض : مرحبا وأهلا ، لقد كنت من أحبّ خلق اللّه يمشي « 6 » على ظهري ، فأمّا إذا وليتك وصرت إليّ لتعلم كيف أصنع بك ، فينفسح
--> ( 1 ) . في الاعتبار وسلوة العارفين : « أم » . ( 2 ) . في النسخة : « فيه » . ( 3 ) . وربّما قرئت : « راقتكم » وفي رواية الشيخ المفيد في الحديث ( 3 ) من المجلس ( 31 ) من أماليه : « فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم أنفسكم إليه من الشهوات . . . » وفي الاعتبار وسلوة العارفين : « نازعتكم أماني » . ( 4 ) . في الاعتبار وسلوة العارفين : « ويرحمه » . ( 5 ) . هكذا في نقل الاعتبار عنه ، وفي النسخة : « وإنّ » . ( 6 ) . في الاعتبار وسلوة العارفين : « تمشي » . وهكذا في التالي .